الذكرى الثالثة والخمسون بعد المئة على انتهاء الحــرب القفقاسية

عبرت الجمهوريات الشركسية في القفقاس عن حزنها في الذكرى الثالثة ، والخمسين بعد المئة على انتهاء الحرب القفقاسية المريرة . تلك الحرب المأساوية الطويلة ، والمبيدة ، والظالمة ، والتي كان لنتائجها انعكاسات  ، وآثار سلبية مازالت تتفاعل في جسد ، وكيان شعبنا الشركسي . إننا نتوجه بقلوبنا إلى تلك الأحداث التاريخية الماسأوية  لنظهر وبصورة كبيرة معانيها ، وأبعادها ، ونبرز أهمية فهم حقائق التاريخ ، وضرورة تفاهم الشعوب ، وتعايشها بإخاء ، ووئام ، ولنعمق ، ونوطد في الوقت ذاته دعائم المحبة ، والسلام ، وتلك هي مهمتنا الأساسية .

احتشد الناس ، وتجمعوا أمام الحديقة العامة لمدينة مايكوب ، ثم بدأت المسيرة الصامته ، وقطعوا شارع  أوكتوبر الأحمر ( كراسنَ أكتيابرسكَ ) . كانت في مقدمة المسيرة الخيول الشركسية الأصيلة  ، وعلى متنها الشبان الشراكسة بلباسهم القومي . كانت وجوههم ، وهيئتهم ، وملامحهم تبعث في النفس ذكرى أجدادنا العظام الذين كانوا يدركون ، ويجلون ، وبشكل كبير القيم ، والمثل الإنسانية الخيرة ، وينبذون الشر وبشتى أشكاله ، وصوره . لقد أثبت لنا السيد ألبيرت تحابشقو أحد منظمي كوكبة الفرسان ماكان قد قاله لنا سابقا . ضرورة عدم بث الفتنة ، والفوضى ، وأكد أن اللباس القومي الشركسي أناقة ، وجمال لكل من يرتديه ، وأن الجميع يسير على طريق معرفة الذات ، وحقائـق التاريخ .

النظرة الأولى تحكي لك ، وتروي

كانت كوكبة الفرسان المؤلفة من عشرات الفرسان في مقدمة المسيرة ، وكانت تأتي خلفها الحشود الغفيرة من  المواطنين المشاركين بهذه المسيرة . كان في مقدمة الصفوف أعلام الجمهورية ، وكبارالشخصيات فيها من  أمثال  الفنان يورا  سطاشو ، وروسلان مامي ، وقسي شحابلقو ، وغوتشبس شحابلقو واسماعيل قنداور ، وكيم دزبه ، وأصلان تو  ، وأصلان قواجه ، وعسكر شحلاخو ، ومفتي الجمهورية عسكر قردن ، ورئيس الجمعية الشركسية في الجمهورية السيد رمضان لمشقو ، ويوسف قزنه ، وأصلان نغوتش ، وعلي بغوشه ، وغيرهم .  توافد الناس من المناطق ، والنواحي ، والقرى ، وكان من بين أبرزهم حميد حسنقو ، وإدوارد لاموقه ، وشمس الدين نغوتش ، ويوسف أتشمج ، وغيرهم . قال لنا كل من الفنانين المشهورين في فن التمثيل المسرحي السيد مرات كوكانه ، ، وعزمت بشتقو أن مارأوه ، وشاهدوه لن ينسى أبدا ، وسيظل حيا في ذاكرتهم . تحدث رئيس الجمعية الثقافية التتارية السيد عيليام إلياسوف عن تنامي ، وازدياد العلاقات الإنسانية ، والقومية في الجمهورية ، وتكلم رئيس الجمعية الشركسية بجمهورية الأديغي السيد رمضان لمشقو عند تمثال الإتحاد ، والتضامن رمز شهداء ، وضحايا الحرب القفقاسية ، ثم دعاالحضور  إلى مسرح الفيلرمونيا لمشاهدة فقرات البرنامج الذي أعد ، وبهذه المناسبة التاريخية . كانت آراء كل من الرسام تيوتشج قات ، وابن قريته أصلان برتر ، ونظرات الشبان المشاركين في المسيرة من أمثال ألمير دزسج ، وأرتور بغدر ، وسوسانه ميرزة ، وطاهر قومبل  ، وغيرهم عن هذه الذكرى التاريخية ، والمأساوية متوافقة ، وغير متباينة ، وقد التقطوا صورا تذكارية عند تمثال ذكرى شهداء الحرب مع الفرسان ، وتحت ظلال العلم الشركسي . شاركت الفرق الفنية للأطفال الصغار في يوم الحداد ، وساروا في الطريق المؤدي إلى مسرح الفيلرمونيا بكل انسجام ، وتوافق ، واتساق ، وكانت  فرقة الفجر المايقوابية تزدان بلباسها الشركسي الجميل ، وفي اللقاء الصحفي الذي أجريناه مع مديرها الفني السيد أيدامر ننج أوضح أن فناني الفرقة الصغار لن ينسوا مارأوه ، وماشاهدوه ، وسمعوه في فعاليات هذه الذكرى التاريخية ، وأضاف  أن هذه اللقاءات ، والإجتماعات ، والمناسبات الحية تربي ناشئتنا ، وتفتح أمامهم سبل الحياة .

ألف بينهم ، وجمعهم الحدث التاريخي

نظمت داخل مسرح الفيلرمونيا معارض ، ومراكز لبيع الكتب ، وعرضت القطع ، والرموز الشركسية كما أقيمت نقاط لبيع الفطائر ، والمأكولات الشركسية .  قال المحاربان القديمان السيد  روسلان بنشو ، والسيد أصلان قواجه أن منظمي فعاليات هذه المناسبة قد أحسنوا ، ونجحوا في تنظيم هذه المناسبة  ، وبصورة يشارك فيها الكبار ، والصغار ، وتتحقق فيها الأبعاد ، والأهداف التربوية  المنشودة ، والمرجوة من النشاطات ، والأعمال التي أقيمت في هذه الذكرى . تحدث باسم المكلف بأعمال حاكم جمهورية الأديغي المؤقت السيد مرات قومبل في الذكرى الثالثة والخمسين بعد المئة على انتهاء الحرب القفاسية رئيس لجنة توثيق الروابط القومية ، والإعلامية مع شراكسة بلدان المهجر في الجمهورية السيد عسكر شحلاخو . في الكلمة التي ألقاها رئيس الجمعية الشركسية بجمهورية الأديغي السيد رمضان لمشقو أشار إلى ضرورة معرفتنا لحقائق التاريخ ، وفهمنا لمعاني صفحاته ، وعدم نسياننا لها ، مع مواصلتنا لنشاطاتنا ، وأعمالنا ، وجهودنا لبناء حياة ، وغد أفضل ، وأضاف أن ما أصاب شعبنا من مأساة انسانية كبرى أدت إلى تشريد شعبنا في أكثر من خمس ، وخمسين بلدا ، وإن مهمتنا الأساسية اليوم ، وواجبنا يفرض علينا أن نرأب الصدع  ، ونداوي الجراح ، ونعمق مبادىء التفاهم ، والمحبة ، والسلام ، واختتم كلمته ببعض الأسطر الشعرية التي تؤكد سيرنا على النهج ، والمسار الصحيح ، والسليم .

المراثي ، والقصائد الشعرية

تشارك الفرقة الفنية الغنائية الراقصة » الإسلامي » كل عام بيوم الحداد السنوي. يعتبر المدير الفني للفرقة الفنان ، والملحن أصلان نهاي أنه ولكي تصور المسار التاريخي  لشعبنا ، وبصورة فنية صادقة يجب أن تفتح قلبك ، وصدرك لحقائق التاريخ . المراثي والأغنيات الشركسية القديمة من مثل » سرماف » ، و» الهجرة إلى استانبول » ليست مجرد أغنيات رثائية . إن استمعت إليها أثارت في النفس مشاعر انسانية مؤلمة ، وسببت لك الكثير من الحزن ، والقلق ، وكذلك حال أغنية » رقصة حغَوِج ْ  » ، والتي يستمع إليها الكثيرون ، وحتى أبناء الشعوب ، والقوميات الأخرى ، ويعطونها ما لها من أبعاد ، ومعاني  تاريخية ، وإنسانية . لقد اعتبرنا أن فرقة أشمز ، وشغجي والتي يعمل معهم فيها السيد كازبيك نغرقو ، ومع المطرب فياتشيسلاف يوتخ أنهم يقومون بعرض صور ، ومشاهد معبرة عن المآسي التي ألمت بشعبنا الشركسي ، وما حل بهم من مصائب ، ونوازل شديدة . بين العائد من الجمهورية العربية السورية السيد يحيى سطاشو في كلمته أن » الفن قوة ، وطاقة كبيرة  » . قام بإدارة برنامج يوم الحداد السيد أصلان حقوي  ، وقرأ قصائد قومية ، ووطنية كما قرأ روسلان وجوخ قصيدة مؤثرة ،  وغنت المطربة عبير دير أغنية قومية أثارت مشاعر جمهور الحضور ، ولامست قلوبهم ، وأفئدتهم .

مصباح واحد بعد المئة

تواصلت فعاليات يوم الحداد الرسمي للشعب الشركسي بمدينة مايكوب عاصمة جمهورية الاديغي مساء ذلك اليوم في الحديقة العامة للمدينة حيث رسمت لوحة مضيئة أمام المسبح العام وكتب بالمصابيح المضيئة تاريخ بداية الحرب القفقاسية ، وتاريخ انتهائها ، ووضع تحتها الأسهم الثلاثة المتقاطعة ، والموجودة على العلم الشركسي ، وسط أجواء الموسيقى الشركسية القديمة التي كانت تملأ المكان ، وتعبق بأريج ، وذكريات الماضي ، والأجداد . قامت الصحفية سفيتلانة طشو في الوقت ذاته بعرض مراسم الحداد العام الذي أقامه الشراكسة في تركيا احياء لذكرى الهجرة الكبرى عن طريق أجهزة ، ووسائل الإتصال العصرية ، وأظهر كل من رئيس الجمعية الشركسية  بجمهورية الأديغي السيد رمضان لمشقو ، وأعضاء الجمعية السيد بايزت قغزج ، وقبلان قويج ، وعلي  بغوشه ، وطاهرقومبل  الأعمال ، والنشاطات التي قام بها شبان الجمهورية في احياء هذه الذكرى التاريخية ، وكانت بعض طالبات جامعة العلوم التكنولوجية يرتدون الألبسة القومية الشركسية ، ويتجولون في الحديقة العامة من مثل الآنسة فريدة حتشمز ، والآنسة  أ . تكاتشينكا  التي ولدت في أوكرانيا . إن الإنسان الذي يتمتع بالوعي القومي يعرف ماضيه ، وتاريخه القومي ، ولا ينسى أبدا أحداثه ، ومنعطفاته الكبيرة ، والهامة ، ويحترم العلاقات الإنسانية ، والأخوة ، والسلام ، ويجل قيم ، ومثل الخير ، والمحبة ، والفضيلة ، وستظل ذكريات الماضي لدى المشاركين في احياء هذه المناسبة التاريخية حية ، وخالدة ، دون أن يصيبها أي عجز، أو فتور .

ــ الكاتب الصحفي : نور بي يمطل .

ــ الترجــمة : مــاهــر غونجـــوق .